Monday, June 27, 2005

الليلة الكبيـــــرة






شاء الله أن يكون يوم عدت فيه إلى بلدي دسوق موافقاً ليوم المولد المقام للعارف الشهير صاحب المسجد الأكبر في مدينتي، وبعد رحلة سفر شاقة -لا لصعوبة الوصول ولكن نظراً لتزاحم الناس وتدافعهم على الذهاب إلى المولد وحضور "الليلة الكبيرة" كما يطلقون على يوم الخميس الأخير في أسبوع المولد..

وصلت إلى المدينة ولسان حالي يقول: أخيراً ظهرت لنا تخومك يا مدينتي الأبيّة، سلامٌ عليك فدوماً ما أظهرت للناس وجهك المشرق المبتسم بالرغم مما يحل بك من أضرار بسببهم..

قررت أن أغامر وأستقل الميكروباص حتى أصل الى بيتي.. وفي الميكروباص الذي كان محملا ً بضعف عدد ركابه المسموح بهم، جلست بمعجزة ما، وكان يجلس خلفي عدد ممن جاءوا لحضور المولد.. ومن نافذة الميكروباص أطل فتىً علينا برأسه - بسبب عدم وجود موطيء لقدم داخل الميكروباص؛ فقد وقف هذا الفتى متعلقاً بحافة النافذة، وصاح بنا: الأجرة يا حضرات..


بصعوبة قمت بإيصال المال إليه، وأعطتني سيدة كانت تجلس خلفي الأجرة خاصتها هي وأقرباء لها جالسين بجوارها، فأنقدت الفتى بدوري.. وتوالى خروج المال إلى النافذة..


كنت أتأمل في أمر هؤلاء الناس الذين تركوا ديارهم و أهليهم لحضور المولد، وتجشموا كل هذا العناء لكي يأتوا فيوقدوا الشموع عند ضريح العارف وحوله، وأعجب أن تخرج سيدة عجوز من بيتها تتوكأ على عصاها لتوقد شموعها، أو أن تقول إمرأة أنها نذرت أن توقد عشر شمعات عند مقام الولي اذا ما نجح إبنها - ويبدو أن نجاح الإبن يعد حقاً من كبرى المعجزات، فما وجه استفادة المرأة أو الإبن أو حتى أي إنسان-عدا باعة الشموع بطبيعة الحال؟!!


مدااد يا سيدي مدااد، قالتها السيدة الجالسة خلفي وأطالت في المد بعد الدال، ثم سمعتها تخاطب فتىً بجوارها يبدو أنه إبنها قائلة: وحده سَيِّدنا هو القادر على تربيتك و تأديبك.. نظرت إلى الإبن ووجدت ملامح الرعب وقد تجسدت على وجهه، وتعجبت، فقد كان فتىً سوياً لايوحي شكله بالعته أو بمرض عقلي يجعل أمه تخاطبه بتلك الطريقة، أما ما جعلني أتعجب أكثر وجعل ملامح الرعب تنتقل إلى وجهي هذه المرة هو أن عمر ذلك الفتى لا يقل في تقديري عن خمسة وعشرين عاماً!!.. ومن النافذة أطل علينا برأسه الأشعث منادياً أن هناك من لم يدفع أجرة الطريق بعد، فلاحظت السيدة أنها لم تدفع أجرة الأبن، وبسرعة وتلبية غريبين ممزوجين بلطف أغرب إمتدت يدها بالمال لفتى النافذة، وأردفت قائلة: الحمد لله فالخيركثير، ومدااااد..




3 Comments:

At Fri Jul 29, 02:53:00 AM 2005, Anonymous مريم said...

بالصدفة كنت باسمع أغنية "مدد" لمحمد منير و أنا بأقرأ التعليق دا في مدونتك و دايما و أنا باسمعها بافكر في الرأي اللي طلع ضدها على أساس ان المدد يأتي فقط من الله و ليس من أحد اخر
كمان فكرة ان الناس تطلع مخصوص من بيتها عشان تسافر و تقيد شموع لشخص ميت..نفس الناس دول استحالة يفكروا يطلعوا مثلا في مظاهرة لتحسين أوضعاهم، دايما مستنيين الحل من بره رغم ان الله لا يغير ما بقوم الا لما يغيروا ما بانفسهم...غريب
www.seekingfreedom.blogspot.com

 
At Tue Aug 02, 07:54:00 AM 2005, Blogger Ramy Ibrahim said...

فعلاً إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم يا مريم، بس مش حنظلم الناس دايماً، فرأيي هو أن هؤلاء الناس إنما خرجوا لأنهم توارثوا تلك العادة، وقد يكونوا غير مدركين لما قد تمثله من مظاهر قد تحسب على الشرك والوثنية، وأرى أن أغلب هؤلاء الناس يذهبون للموالد وكأنما يذهبون إلى كارنفال مقام في مدينة غربية كبيرة، فلا ننسى أن معظم هؤلاء من الفلاحين الفقراء اللذين لا تتأتى لهم فرصة الخروج من القرية إلا ربما في تلك الموالد، بقي أن أقول أنني شاهدت إحصائية مرعبة فعلاً، ففي موعد ذلك المولد جاء مراسل قناة الجزيرة إلى مدينتي لأول مرة وقدم تقريراً للنشرة الإقتصادية قال فيه أن خمس عمليات التبادل التجاري في مصر تتم أثناء الموالد ، ولا تعليق..

 
At Thu Dec 22, 01:29:00 PM 2005, Anonymous tamer said...

انا شايف ان الموالد عادات وتقاليد ولاغبار عليها

ما دام الزائر لم يقصد من زيارتة ان يدعو الولى لتلبية طلب ما لان هذا يعتبر شرك

وانا من رايك ان اغلبية اللى فى الموالد هم من الفقراء ةاهل القرية


الناس البسيطة

وانا بشوف فيهم الكرم والاصالة المصرية اللى على حق


شكرااااااا رامى على المشاركة والعرض الطيب

وفن الله لما فية الخير

مع خالص تحياتى

 

Post a Comment

<< Home