Wednesday, November 16, 2005

بلية..المغلوب على أمره





بدا صاحب الورشة كدر المزاج في صباح ذلك اليوم بدون سبب معروف..

وعندما تأخر "بلية" – الفتى الذي يعمل مساعداً عنده – في تلبية أحد طلباته ثار ثورة كبيرة، وكأن نفسه قد نضحت عليها أبخرة الكيروسين ولم يعد ينقص لإشتعال النار إلا شرارة صغيرة، فقذف "بلية" بمفتاح معدني فأصابه في ظهره فتألم الفتى ولكنه لم يبك..

كان فتى أسمراً قوي البنية عركه الدهر، وكان حريصاً على ألا يطرد من عمله؛ فهو يعول أسرته بأكملها ووالده طريح الفراش أصابته أمراض الهرم والفقر..

وعندما كان يُسأل الفتى عن عمل والده كان يجيب بأنه يعمل " مكنجي أحذية"، ولما يئس من رؤية نظرة الحيرة في وجه سائله كان يستدرك قائلاً أن أباه عاطل!!..

(كل هذا الغباء؟! ، ألا ينبري له أحد؟!، ألا لعنة الله على الظالمين..)

أمسك الفتى بالمفتاح وضغط على كتفه و كأنه يعتصر الألم بداخله، ورنا إلى السماء التي بدت ملبدة بالغيوم، وتذكر الحلم الذي صار يتكرر ويراه كل ليلة تقريباً.. يرى نفسه راكباً لجواد مجنح يحلق به عالياً وكأنه يحاول الخروج من غلاف الأرض إلى الفضاء ولكن ما تلبث جاذبية الأرض أن تشده لأسفل حتى يسقط، وعندها يستيقظ من نومه يتصبب عرقاً..

(يرى الرأس مهشماً بين يديه..)

صاح صاحب الورشة فيه ووصفه بالمعتوه وأمره بإحضار المفتاح إليه.. فقام "بلية" وفي عينيه نظرة بأس وقوة وسار نحو صاحب الورشة الذي انكمش في مكانه، ثم نكس "بلية" رأسه وناوله المفتاح.

Tuesday, June 28, 2005

بيتٌ في نهاية شارع






بينما هو سائر استوقفه شخص وسأله عن وجهته، ثم قال له بلهجة آمرة ولكنها مهذبة: أوصل الحاجَّة في طريقك إلى أول الشارع..

إلتفت فوجدها سيدة عجوز في العقد السابع من عمرها تقريباً وترتدي ملابس سوداء بسيطة متكئة علي عصا، وثيابها متربة وكأنها قدمت لتوها من سفر بعيد..

رحب بطلب الشخص وأخذ بيد السيدة، فسارت وهي تتكيء على عصاها، وعلى وجه الشخص ارتسمت علامات الإرتياح ..بارك الله فيك يا بني - قالتها السيدة العجوز.. فأجابها بأن مساعدة الآخرين واجبة دوماً..

- شكراً لك يا بني، وليس البيت بالبعيد فلا تقلق.

- لا ضير في ذلك.

عادت لتكرر شكرها له وهي تضحك.. وبالرغم من تلك الضحكات شعر بشيء في خلجاتها وصوت تنفسها المضطرب وكأنها تنشج، أحس وكأنها تشبه نبتة صحراوية مجتثـة مستسلمة تدفعها الرياح في طريقها إلى فرار متواصل أو إلى سعي متواصل..


- هل تعرفين مكان بيتك الذي نتوجه إليه جيداً.

- طبعاً، وهل ينسى المرء مكان بيته؟!.


كان الطريق مزدحماً والسيدة تمشي ببطء، فأبطأ من سرعة سيره ليسايرها، فكانت كل خمس خطوات لها تعادل خطوتين له..


- لا تؤاخذني إن كنت قد عطلتك يا بني، ولا تقلق فالبيت قريب، وهو البيت أبيض الجدران الكائن بالشارع القادم.



هو يعرف هذا البيت جيداً ويعلم أن تلك السيدة ليست من بين ساكنيه.. سألها إن كانت بينها وبين ساكني البيت صلة قرابة ولكن بدا عليها أنها لم تسمعه.. شعر أنها تتعمد عدم الإجابة.. عاد ليسألها عم إذا كانت لا تذكر مكان البيت، فلم تجبه ولكنها دعته لتناول شراب في بيتها إكراماً له علي مساعدتها، فقال لها أنه شاكر لدعوتها واعتذر لضيق وقته..


ومع اقترابهما من البيت شاهد سيدة عجوز تتسول والإعياء بادٍ عليها، فشعر بالسيدة بجواره وكأن رجفة تنتابها، هو الآخر تأثر بالمشهد وراعه كون السيدة العجوز بلا عائل في شيخوختها..


وعند البيت أبيض الجدران وقفت وشكرته، ودعها وابتعد قليلاً ثم عاد ليلتفت، فوجد السيدة وبعد أن تظاهرت بالإقتراب من باب البيت عادت إلى الشارع واستوقفت شخصاً..
وقف حائراً، ثم أدرك أنها تسأله أن يوصلها إلي بيتها الذي يوجد
- قطعاً- في نهاية شارع..



Monday, June 27, 2005

الليلة الكبيـــــرة






شاء الله أن يكون يوم عدت فيه إلى بلدي دسوق موافقاً ليوم المولد المقام للعارف الشهير صاحب المسجد الأكبر في مدينتي، وبعد رحلة سفر شاقة -لا لصعوبة الوصول ولكن نظراً لتزاحم الناس وتدافعهم على الذهاب إلى المولد وحضور "الليلة الكبيرة" كما يطلقون على يوم الخميس الأخير في أسبوع المولد..

وصلت إلى المدينة ولسان حالي يقول: أخيراً ظهرت لنا تخومك يا مدينتي الأبيّة، سلامٌ عليك فدوماً ما أظهرت للناس وجهك المشرق المبتسم بالرغم مما يحل بك من أضرار بسببهم..

قررت أن أغامر وأستقل الميكروباص حتى أصل الى بيتي.. وفي الميكروباص الذي كان محملا ً بضعف عدد ركابه المسموح بهم، جلست بمعجزة ما، وكان يجلس خلفي عدد ممن جاءوا لحضور المولد.. ومن نافذة الميكروباص أطل فتىً علينا برأسه - بسبب عدم وجود موطيء لقدم داخل الميكروباص؛ فقد وقف هذا الفتى متعلقاً بحافة النافذة، وصاح بنا: الأجرة يا حضرات..


بصعوبة قمت بإيصال المال إليه، وأعطتني سيدة كانت تجلس خلفي الأجرة خاصتها هي وأقرباء لها جالسين بجوارها، فأنقدت الفتى بدوري.. وتوالى خروج المال إلى النافذة..


كنت أتأمل في أمر هؤلاء الناس الذين تركوا ديارهم و أهليهم لحضور المولد، وتجشموا كل هذا العناء لكي يأتوا فيوقدوا الشموع عند ضريح العارف وحوله، وأعجب أن تخرج سيدة عجوز من بيتها تتوكأ على عصاها لتوقد شموعها، أو أن تقول إمرأة أنها نذرت أن توقد عشر شمعات عند مقام الولي اذا ما نجح إبنها - ويبدو أن نجاح الإبن يعد حقاً من كبرى المعجزات، فما وجه استفادة المرأة أو الإبن أو حتى أي إنسان-عدا باعة الشموع بطبيعة الحال؟!!


مدااد يا سيدي مدااد، قالتها السيدة الجالسة خلفي وأطالت في المد بعد الدال، ثم سمعتها تخاطب فتىً بجوارها يبدو أنه إبنها قائلة: وحده سَيِّدنا هو القادر على تربيتك و تأديبك.. نظرت إلى الإبن ووجدت ملامح الرعب وقد تجسدت على وجهه، وتعجبت، فقد كان فتىً سوياً لايوحي شكله بالعته أو بمرض عقلي يجعل أمه تخاطبه بتلك الطريقة، أما ما جعلني أتعجب أكثر وجعل ملامح الرعب تنتقل إلى وجهي هذه المرة هو أن عمر ذلك الفتى لا يقل في تقديري عن خمسة وعشرين عاماً!!.. ومن النافذة أطل علينا برأسه الأشعث منادياً أن هناك من لم يدفع أجرة الطريق بعد، فلاحظت السيدة أنها لم تدفع أجرة الأبن، وبسرعة وتلبية غريبين ممزوجين بلطف أغرب إمتدت يدها بالمال لفتى النافذة، وأردفت قائلة: الحمد لله فالخيركثير، ومدااااد..




Saturday, June 25, 2005

نوبة رجوع




نظر من النافذة فوجد المنازل والمزارع تنسحب للخلف وتختفي عن نظره ليحل محلها منازل ومزارع أخرى، وضوء الشمس ينعكس على القضبان المعدنية فضية اللون ليكسبها بريقاً ذهبياً.. لا، لم يكن راكباً للقطار وهذا ما جعله يتعجب.. فقد كان ينظر من نافذة منزله الذي لم يكن أبداً مطلاً على طريق القطار، لكنه تجاهل ذلك، وقرر المضي قدماً فيما هو فيه ليرى في أي محطة سيقف منزله الذي تحول الى قطار متحرك على قضبان..
إستدار فوجد نفسه في مكان يشعر بأنه بيته.. نعم، فهذا أباه وهذه أمه وهذا هناك هو أخاه.. لاداعي للنظر في المكان، فقد عرف أنه بيته ولا يحتاج المرء الى العثور على علامة مميزة ليتعرف بيته، يكفي أنه يرى أهله، فأنبعثت الطمأنينة في نفسه..
نظر حوله لهنيهة، وجد أن أباه قد أحضر شاباً يظهر عليه الفقر و يعمل في مسح الأحذية كي يمسح له الحذاء، ونادى أبوه على شابٍ آخر ليأخذ ملابسه لكيها وأمره بالإسراع بإحضارها، فلم يبد إعتراضه على الرغم من أنه إعتاد مسح حذاءه وكي ملابسه بنفسه..

نظر من النافذة مرة ثانية، لايزال الحال على ما كان عليه؛ فمنزله مازال يمضي للأمام والمنازل من حوله تعود للخلف و كأنها مثبتة على بساط يسحب من تحت منزله-القطار المزعوم.
راوده إحساس بأن موقفه الحالي يشبه ما قرأه يوماً عن أن الجسم الساقط من قطار متحرك يُرى سقوطه بأكثر من شكل حسب مكان الرائي.. فراكب القطار يرى الجسم يسقط على الأرض في خط مستقيم، بينما يرى شخص واقف خارج القطار الجسم ذاته يسقط في شكل قطع ناقص أو منحني، فهو بوسعه الآن أن يري صورتان لنفسه لا يجوز أن تتواجدا معاً إلا إذا كان ينظر من زوايا مختلفة، أو لو كان يحلم..
وهنا جذبه من ملابسه قائلاً في لهجة لوم: أترضى أن يبخسني والدك حقي هكذا، فقد أعطاني مالاً قليلاً جداً على الرغم من إتمامي عملي، وأشار إلى الملابس التى قام بكيّها.. لكنه لم يمعن النظر وأعطى الشاب مالاً حتى أجزله العطاء وأوصله للباب..
أراد الخروج لكنه لم يفعل، أمر ما طرأ على ذهنه و أوحى إليه بالتروي، فموعد الرحيل لم يأت بعد.. ولكنه وجد عشرات الناس يدخلون من الباب وقد أتوا لمصافحته ووداعه.. فهذه خالته التي لثمته وتمنت له التوفيق، وكذا فعلت عمته.. أما جدته فقد إحتضنته ثم رفعت كفيها بالدعاء له.. ثم رأى أناساً ما هم بأقاربه.. فهذا هو الشيخ الجليل ورجل الدين المعروف قد أتى ليصافحه مع أنه لم يره أبداً إلا في المرناة، وهذا مُعلمَه الذي أفاد منه كثيراً أتى أيضاً لوداعه.. وللحظة شعر وكأن الزمن قد توقف وران الصمت على الجميع.. يرى النافذة وقضبان القطار التى أكسبها لون الغروب الأحمر بريقاً نُحاسياً..
شعر بأن منزله -القطار- يوشك أن يتوقف عن السير.. حانت لحظة الوداع وأدرك أنه يحتضر..
سمع لحناً يعزف بـ "نوبة رجوع" وهو لحن يعزفه العسكريون عند تشييع الجنائز.. ولكن مهلاً، ففي لغة الموسيقى العسكرية ما يعرف بـ"نوبة الصحيان"، وهو -أي اللحن- ماصار يرتقب, ويوقن بأنه لن يتأخر ولن يتأخر أحد..
وهاهوذا, يراجع في ذهنه ما بقي عليه من مهام ويشاهد ما حوله فيجد أنه واقف وحده وسط طريق القطار..
فيسترجع ويتشهد، ويسقط على القضبان.

Sunday, June 05, 2005

مفـــقود



عرف منذ صغره معني الفقد.. وهو رضيع تخلي عنه أبواه وهربا، فصار بلا عائل، فتناوبته بيوت القرية وسرعان ما أنتقل من بيت إلى آخر حتى انتهى به المقام في الشارع ففقد المأوى.. بحث عن عمل وعندما عثر عليه أضحى فاقداً لإسمه، ذلك لأن صاحب العمل لا يناديه إلا بـ "إبن ال....."، ثم لاحظ -صاحب العمل- وجهه الملطخ بالطين فأطلق عليه إسماً آخر هو "إبن الطين".. وبعد هذا الحادث البشع الذي أفقده ساقاه أصر علي ألا يفقد شيئاً بعد ذلك؛ فمضى يبحث عن عمل فلم يجد من يقبله بإعاقته، فضلاً عن أن أغلب شباب القرية عاطلون..

رفع بصره للأفق فأبصر عربات نقل تخرج صوب الطريق الزراعي.. تكرر هذا المشهد، في كل مرة تجيء العربات فارغة مقطوراتها وتؤوب محملة بشيء لا يدري كنهه.. زحف بجسده محاولاً الإقتراب من العربات فارتاع عندما وجدهم يجرفون الطين من أرض القرية ثم يحملونه إلى تلك العربات.. إستحالت قبضتاه كالصخر فطفق يجر جسده مستنداً بهما.. رآه أهل القرية يمضي جاراً جسده بشدة أدمت يداه، متجهاً صوب الطريق الزراعي.. وفي مدخل القرية جلس على حافة المقب الذي اتخذه الفلاحون لإجبار السيارات على الإبطاء حماية لأنعامهم التي ترعى، وقد عزم على ألا يفقد ذلك اللقب، إبن الطين..



Wednesday, May 25, 2005

"ريــعـــــو"




منذ صغري عرفته، "ريـعـو" هكذا أطلقوا عليه، كان شاباً ابتلاه الله بمرض عقلي ولكنه كان سوياً في مظهره.. وأصبح من العسير معرفة أول من ناداه بهذا الإسم، شىء واحد مؤكد أنه شخص من الذين يتمتعون بتعذيب الآخرين.. وكان يكفي أن يناديه أحد المشاغبين باللقب-ريعو- ليجد رأسه وقد شجت بصخرة ألقاها عليه "ريعو" الذي كان يتمتع بدقة فائقة في التصويب تؤهله لأن يكون بطلا ً أوليمبيا ً.. وصار من المألوف أن تري المشاغبين يهرولون في الشوارع ومن ورائهم هو يجري ممسكا ً بقالب من القرميد.. هناك قاعدة شبه مطردة تقول بأن لكل قرية مجذوب، مما يوحي بإنتشار تلك النظرة إلى أولئك المرضى.. ولكنه اختفى فجأة، ولم يعد صدى كلمة "ريـعـو" المنطلقة من حناجر المشاغبين كالعواء يتردد.. في البداية ظننت أن صحوة من ضمير قد نالت من المشاغبين، ولكن الواقع ينفي ذلك، بل قد تنقلب القاعدة ليكون لكل مجذوب قرية تمارس عليه ساديتها.. فكرة أخرى لاحت لي، فلم لا يكون قد فطن إلى أنه أعقل من أن يلتفت إلى هؤلاء؟!.. وبعد صلاة القيام في رمضان وجدته وقد ارتكن على جدار داخل المسجد، بدا أنه عثر أخيراً على الأمان